سليمان الدخيل

76

كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد

على أن الجارية أو الأمة قد أتيحت لها الفرصة للانتقال إلى مرتبة أعلى من مرتبه الرق . فإذا أنجبت من سيدها سميت أم ولد وصارت في وضع أرفع شأنا من وضع الأمة ، فلا يجوز لسيدها أن يبيعها أو يهبها وإنما تبقى حلاله ، وإذا توفى سيدها ، صارت حرة ، ينطبق عليها أحكام الميراث ، والطفل الذي يولد من أمة يكون حرا . انتشرت تجارة الرقيق في بغداد ، فكان بها محلة تسمى دار الرقيق « 1 » وكان بالرصافة - الجانب الشرقي من بغداد - محلة دار الروم نسبة إلى سكانها الذين قدموا إليها في عهد المهدى أسرى من بلاد الروم ، واشتهر كثير من تجار الرقيق في بغداد من النخاسين ، وسبب شهرتهم كثرة ما كان يفد عليهم من الشعراء والأدباء لابتياع الجواري الحسان ، وكان بالكرخ نخاس يسمى أبو عمير له جوار قيان لهن ظرف ، وكذلك أبو خطاب النخاس ، ومنهم حرب بن عمير ، وله جارية مغنية يفد إليها الشعراء وأهل الأدب في بغداد للاستماع إليها « 2 » . والنخاس ينادى لمن حوله من الراغبين ، ويصف لهم الجارية بعد الجارية بأحسن ما يكون من أوصاف الحسن والجمال . ومن بينهن جوار عليهن اللباس الفاخر ويتخذن العصائب المحلاة بالدر والجواهر ، وكان على تجار الرقيق عامل من قبل الحكومة يشرف على أعمالهم ، ويراقب تجارتهم ، يسمى قيم الرقيق . قلنا إن الرقيق تنوعت أجناسه وألوانه ، وأحسن أنواع الرقيق ، النوع الأبيض ، وكان من الترك أو الصقالبة ، والصقالبة يفضلون على الترك ويقول الخوارزمي « 3 » : ويستخدم التركي عند غيبة الصقلبى . وأكثر ما يجلب من بلاد البلغار ، وكانت سمرقند أكبر مراكز تجارة الرقيق الأبيض ، وخير رقيق بلاد ما وراء من تربيتها ، وكان أهلها يتخذون من تهذيب وتربية الرقيق صناعة يعيشون منها . ولقد كان لكل نوع من أنواع الرقيق صفات خاصة ، فالهنديات عرفن بالطاعة

--> ( 1 ) الطبري : تاريخ الأمم والملوك ج 8 ص 47 . ( 2 ) الأصفهاني : الأغانى . ج 41 ص 199 . ( 3 ) متز : الحضارة الإسلامية ج 1 ص 227 .